أدب الفراعنة

يقول أبو احمد راضي المصرودي : 
بعد قراءة كتاب (الأدب المصري القديم ـ أدب الفراعنة ) وددت كتابة ملخصا فيما بين دفتي الجزئين من علم وبحث يطول الشرح فيهما ووجدت ان الكتابة أخذتني لمقال مطول ، ومن باب الحرص على تعريف الناس بتلك القيمة البحثية اخذت المقال مصحوبا بالصور لأحد المجلات ولكن تعذر النشر لاسبابهم وسياسة مطبوعاتهم ، ومن جديد حاولت مع مجلة مصرية ووجدت نفس العزوف وعدم الاهتمام ، فاخذت قراري بنسخ عددا لا بأس به من المقال وتوزيعه على بعض المثقفين ، لعل أحدهم يعرف مدى المجهود وقيمة البحث ........... ولما طال الوقت ولا اثر لتعقيب فكرت ان احمل إلى هذه المدونة عبء حفظ المقال ونشره لعله يجد من يحب الإطلاع عليه ، و......
إليكم المقال :



الأدب المصري القديم
أو أدب الفراعنة كما جاء في موسوعة سليم حسن

راضي جودة

عناوين جانبية مقترحة :
 ـ سليم حسن * قدم للمكتبة العربية المرجع الأساسي والوحيد والشامل عن الأدب الفرعوني القديم منذ أكثر من سبعين عاماً .
 ـ هناك قصاصات من ورق البردي بعضها غير مكتمل وتوجد ببعض المتاحف حول العالم .
 ـ مصر كان لها قصب السبق في الإنتاج الأدبي في باب الحكم والتأملات .
ـ التأملات ، نوع من الأدب ظهر في البلاد على أثر سقوط الدولة القديمة .
ـ من سوء حظ اخناتون أنه حاول أن يفرض عقيدة التوحيد في بلد لم يكن فيه رجل يستطيع نسيان الماضي غير اخناتون نفسه .

ان الحضارة الفرعونية القديمة التي شغلت العقول بما تميزت به من آثار يعرفها الجميع وقد تتوقف حدود المعرفة لدى البعض عند الأهرامات وابو الهول وتوت عنخ آمون والكرنك ومعبد ابو سمبل وما يحتويه المتحف من مومياوات وتماثيل ، تدور حولها التفسيرات والجدل بين اسرار التحنيط ودقة المباني والحرف والصناعات ، لكن لا يوجد من يتحدث عن الأدب المصري القديم بإعتبار ما هو سائد بان أقدم الآداب التي عرفها الإنسان هو الأدب الاغريقي ، فتصدى لها ابن مصر العالم المصري الأثري الكبير سليم حسن حيث قدم للمكتبة العربية المرجع الأساسي والوحيد والشامل عن الأدب الفرعوني القديم منذ أكثر من سبعين عاماً ، عندما ترجم النصوص الأدبية من جدران المعابد ، ومن أوراق البردي العتيقة ، ومن أخشاب التوابيت ومن اللغة الهيروغليفية إلى اللغة العربية مباشرة رغم ما فيها من نماذج مبتورة أو مشوهة ، قدم للأجيال القصص الفرعوني ، والأمثال ، الحكم ، الأشعار ، المسرح وكل نبض من نبضات المشاعر الإنسانية التي سجلها المصري القديم في عملاً علمياً رائداً وفريداً ، وعملاً أدبياً سوف يفتح أبواب المعرفة على جوانب مهمة أخرى عن الحضارة الفرعونية .
وضمن مطبوعات كتاب اليوم الصادر عن مؤسسة أخبار اليوم جاء الكتاب الشامل عن الأدب المصري القديم أو أدب الفراعنة الذي صدرت الطبعة الأولى منه عام ١٩٤٥م ، لكن نسخة كتاب اليوم والتي اتحدث عنها تم اصدارها عام ١٩٩٠م ، بجزئيه الأول والثاني مع العدد الثاني والثالث ١٥ ديسمبر ١٩٩٠م ، عدد صفحات الجزء الأول ٤٣٢ صفحة  يترجم بها المؤلف القصص والحكم والتأملات والرسائل .
وانقل هنا وصفاً دقيقاً للأدب الفرعوني عن مقدمة المؤلف للكتاب قائلا : « لم تصل المآسي التي ابتكرها المصريون في قوتها ما وصلته عند الإغريق وفي عصرنا الحاضر ، ولا تقتصر الحاجة إلى الجو المناسب عند تأليف القصة أو الشعر القصصي ، بل قد نحتاج إليه أيضا في الشعر الغنائي كما نجده في كتابات ـ هومر ـ اليوناني ( الالياذة ) وفي كتابات ـ فرجيل ـ ( الإنياد ) . وقد وجدنا أثراً لتصوير الجو الأدبي في الكتابات البابلية ( جلجامش ) ولكنه قليل ، ….. ونجد ذلك الجو الأدبي مصورا في قصة ( سنوهيت ) وفي قصة ( ونامون ) إذ أن قارىء هاتين القصتين لا يلبث أن ينتقل مع بطليهما إلى سوريا ويرى بعينهما ويحكم برأيهما ، وقد تكون وسيلة المؤلف ساذجة ولكنها على كل حال تحدث الأثر المطلوب » .
يستعرض بعد ذلك المؤلف منهجه في البحث بنظرة عامة في الأدب والكتابة المصرية بالكشف عن تطور الأدب ، وعصور الأدب المصري القديم ، والكْتّاب المتعلمون واوزان الشعر المصري ، ثم الكتابة والكتب وطريقة فهمه للمتون المصرية وبذلك يفتح المجال لسرد القصص مع أول قصة وهي ( سنوهيت ) التي كتبت في أوائل الأسرة الثانية عشرة ، حوالي سنة ٢٠٠٠ ق . م .
تتلخص القصة برواية سنوهيت بصيغة المتحدث عن نفسه : أنه كان عائد من غزو ضد اللوبيين بقيادة ولي العهد ـ سنوسرت الأول ـ فحدث في تلك الاثناء أن مات الملك ـ امنمحات ـ الأول ونعاه الناعي إلى ـ سنوسرت ـ فترك الجيش وخف مسرعا إلى العاصمة ليطمئن إلى عرشه الذي آل إليه ؛ ولكن أمر الوفاة كان قد ذاع بين الأمراء المرافقين للحملة ، وسمع به ـ سنوهيت ـ خلسة ، فما كان منه إلا أن فر هاربا إلى سوريا لأسباب غامضة لم يستطع هو أن يجد لها تعليلاً مقبولاً ، وقد احسن استقباله هناك أحد رؤساء القبائل وزوّجه فأصبح رب اسرة ، وصارع أحد رؤساء العشائر السورية المعادية فصرعه ، وبعد فترة طويلة عاوده الحنين إلى وطنه ، وتاقت نفسه للرجوع إلى مصر ليكون في خدمة مولاه الملك الذي ظل مخلصا له طول حياته ، وليلقى ربه ويدفن في البلد الذي ولد وترعرع فيه ، ولما سمع الملك بآلامه واحلامه عفا عنه وأعاده إلى منصبه في الحكومة وسمح له أن يعود إلى وطنه معززاً مكرماً ليقضي ما بقى له من أيام تحت سمائه .
( والمؤلف الدكتور سليم حسن قد أورد القصة كاملة في كتابه وقد ترجمها من البداية إلى النهاية كما وجدها مخطوطة ) .
يواصل المؤلف سرد القصص ملخصها ودراستها ومصادرها والمتن كما جاء بالأوراق التي ترجم عنها ، وهي قصص الدولة القديمة ، ومن ذلك قصة ( الغريق ) ، و ( الفلاح الفصيح ) ، و ( الراعي ) ، و ( هلاك الإنسانية ) ، و قصة ( الملك خوفو والسحرة ) ، ثم قصص الدولة الحديثة ( قصة الأخوين ) ، و ( الأمير المسحور ) ، و ( الملك ابوفيس وسقننرع ) ، ( قصة الاستيلاء على يافا )، و ( قصة إزيس وإله الشمس « رع » ) ، كما ان هناك قصاصات من ورق البردي بعضها غير مكتمل وتوجد ببعض المتاحف استطاع الدكتور ان يترجم عنها ( قصة عن ملك والهة ) ، وقصة عن ( عشتارت ) . و قصة عفريت والشجار بين الجسم والرأس وقصة إعماء الصدق ثم الانتقام له ، وكذلك قصة المخاصمة بين حور وست وهي اسطورة تشبه الملحمة في نص طويل مقارنة مما هو داخل الكتاب من قصص التي ينهيها بقصة ( سياحة ونأمون ) ليأخذنا بعد ذلك للحكم والتأملات وتوثيق ما حصل معه من مصادر تراجم في ذلك القسم الأدبي الهام   .
دلت نتائج البحوث التي قام بها علماء الآثار في تاريخ أدب العالم القديم أن مصر كان لها قصب السبق في الإنتاج الأدبي في باب الحكم والتأملات ، كما ان بابل وآشور لم تتركا شيئا يستحق الذكر نسبيا في هذا المضمار .
أما فلسطين جارة مصر فقد انتجت في هذا القسم انتاجاً عظيماً ، خاصة باب الأمثال والتعاليم الدينية وحكم سليمان ( المزامير ) وكتاب أيوب وغيرها مما نجده في التوراة . ولم تكتب الحكم المصرية من أجل التعليم وإنما لبيان افق التطور المعرفي وفرادة الفكرة التي يسعى من خلالها الكاتب ان يتميز بين أقرانه بسعة الإطلاع وقوة التعبير .
واهم ما توصل إليه الباحث من هذا اللون من الأدب ثمان وثائق ، وهي حسب الترتيب التاريخي : حكم وأمثال ( بتاح حتب ) ، وتعاليم ( كاجمني ) وهما من الدولة القديمة ، وتعاليم ( مريكارع ) من العهد الإقطاعي ، ووصايا امنمحات الأول لابنه ( سنوسرت ) ، وتعاليم ( سحتب اب رع ) ، وتعاليم ( خيتي بن دواوف ) لابنه ( ييبي ) من الدولة الوسطى ، ونصائح ( آني ) ، وتعاليم ( أمنموبي ) من الدولة الحديثة  ولنا مثال مقتطف من تلك التعاليم جاء فيها :
والواقع أن متاع التابع شجا للحلق ومقيء للزور / وعندما يحصل عليها بالإيمان الكاذبة تنعكس رغبه ببطنه / ولقمتك الضخمة من الخبز تلتهمها وتقيئها .. وأنت إذن قد جردت من متاعك / لا تفضين بقرارة نفسك إلى كل إنسان ولا تتلفن بذلك نفوذك / لا تزحزحن الحد الفاصل بين الحقول ولا تحولن موقع خيط المقياس .. ولا تطمعن في ذراع واحد من الأرض .. ولا تقذفن بحدود الأرملة ( أي لا تعتد عليها ) .. احترس من أن تغير حدود الأرض المنزرعة .
التأملات ، نوع من الأدب ظهر في البلاد على أثر سقوط الدولة القديمة مباشرة ، تلك الفترة كانت مليئة بالإضطرابات ، ومن تلك المظاهر للمعاناة الشخصية نأتي لنظرة متشائم يقول : ( تعب كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد ) شجار بين إنسان سئم الحياة وبين روحه ، والمتشائم الذي نحن بصدده ( لأننا لم نعرف له إسما ) كان رجلا لطيف الروح ، ولكنه قد دهمه الحظ العاثر ولازمه المرض فابتعد عنه أصدقاؤه حتى إخوته الذين فرض عليهم مواساته في مرضه ، ولم يجد في دنياه خلا وفيا ، وهي تشبه ما حدث مع أيوب . 
شكوى خعخبر رع سنب : وهي وثيقة من سلسلة المقالات التي كتبها مؤلفوها يشكون فيها الحالة التي وصلت إليها البلاد من التدهور الأخلاقي والإنحطاط الأدبي والفوضى الشاملة في العهد الإقطاعي .
تحذيرات متنبي يدعى ابور : وثيقة ضاع أولها وهشم آخرها وبها فجوات كثيرة في وسطها ، وهي محفوظة ضمن كنوز متحف ليدن الأثري ، كما تم العثور على بردية موجودة الآن بمتحف لننجراد وهي تحتوي على نبوءات كاهن اسمه ( نفر روهو ) .
يتناول الكاتب هنا ما وصل إليه من وثائق حول المدارس واللغة والمكاتبات والبريد ، وبالتالي قام بتسليط الضوء على أسلوب تحرير الرسائل وبخاصة فيما يتعلق بالصيغة الافتتاحية والديباجة والصيغة الختامية ، وكذلك أسلوب موضوع الرسالة ومحتوياتها . وقد توجد فوارق بين الإسلوب تختلف بإختلاف الموضوع وأيضا الراسل والمرسل إليه .
وهنا أحب أن أورد رسالة طالب إلى معلمه ـ كما جاءت بالكتاب ـ يقول فيها : « لقد ربيتني صغيراً حينما كنت معك ، وقد ضربت ظهري ولذلك دخل تعليمك أذني . وإني كالجواد الشارد ، فلا يأتي النوم نهاراً إلى قلبي ، ولا يأخذني ليلا لأني أريد أن أكون مفيداً لسيدي كالخادم النافع لصاحبه .
وإني أحب أن أقيم لك قصراً جديداً على أرض مدينتك مغروساً بالأشجار على كل جانب من جوانبه ، والحظائر الداخلية تزخر بالماشية ومخازنه مفعمة بالشعير والقمح ، وتكون الغلة فيها و.. الفول والعدس … الكتان والخضر وتفاح الحب ( الطماطم ) الذي يكال بالسلات .
وينتهي هذا الجزء من الكتاب الشامل الكبير بوثيقة عن المساجلة الأدبية وهو فن أدبي جميل تميزت به أيضا الحضارة المصرية القديمة .
وكتاب الأدب القديم للدكتور سليم حسن في جزئه الثاني مع العدد الثالث ١٥ ديسمبر ١٩٩٠م ، بعدد صفحات ٢٤٠ صفحة  تحمل ترجمة المؤلف للدراما والشعر وفنونه ، مجموع صفحات هذه الموسوعة الفريدة ٦٧٥ صفحة .
يعتقد علماء الآثار أن اتحاد البلاد على يد مينا لم يكن الاتحاد الأول ، فقد سبقه اتحاد وحضارة ثم انفرط عقد هذا الارتباط ، ولم يكن هناك من وثائق قد وصلت إليهم في تلك المملكة القديمة ، ولكن بالبحث داخل متون الهرم تجد دلالات تلك النهضة الضاربة في عمق التاريخ ، وقد وجدت وثيقة في بداية عهد مينا وهو الوقت الذي كانت فيه الكتابة قليلة وهي دراما أو تمثيلية دونت شعراً.
وقد اثار هذا الكشف دهشة علماء الآثار ورجال الأدب في العالم أجمع ؛ إذ كان المعتقد قد استقر على ان مهد الدراما بنوعيها ( المأساة والهزلية ) الفكر اليوناني والحضارة اليونانية . فإذا عرفنا أن الدراما المصرية قد ظهرت في عالم الوجود قبل الدراما اليونانية بنحو ثلاثة آلاف سنة ، وأنها بدت أكثر منها نضجاً كان جديرا بنا أن نفخر بأن الدراما هي وليدة الفكر المصري ، وأنها شبت وترعرعت في التربة المصرية ، ولسنا بذلك نغبن الفكر اليوناني حقه وإن ظهرت الدراما اليونانية بعدها ولكنها وقفت على ساقيها دون أن تأخذ من المصرية شيئا .
وإن كانت الدراما في معناها الحديث هي قصة الحياة الإنسانية ، غير ان الكلمة الاغريقية ـ Dramatos ـ دراما  ومعناها الحقيقي واقعة ممثلة ، وكلمة تراجيدي أو تمثيلية هو اشتقاق  عن كلمتين في اللغة اليونانية ـ تراجوس Tragos ـ ومعناها التيس و ـ أودوس odos ـ ومعناها أغنية ، فيكون معنى الكلمة ( أغنية التيس ) ما لها معنى إلا إذا عرفنا السبب وراء هذه التسمية الغريبة ، وقد يرجع ذلك إلى أغنية التيس التي كان يغنيها أشخاص يرتدون جلود هذا الحيوان .
والأثر الذي يحمل المتن الحقيقي للوثيقة التي دونت في بداية عهد الاتحاد الثاني ، يوجد منها نسخة منقوشة على حجر اسود محفوظ بالمتحف البريطاني ، والحجر كان يستعمله القرويون المصريون كقاعدة لطاحون تطحن عليها غلالهم مدة من الزمن دون ان يفقهوا شيئا مما كانوا يمحوه بذلك من نقوش .
تركت الفجوة التي في وسط ذلك الحجر جزءاً من المتن على اليسار وجزءاً على اليمين وخاتمة ، ولكن ما تحمل من متن يتفق تماما مع بردية درسها الاساتذة ( ارمان ، وزيته )وهي مسرحية تشبة القصص المقدسة وفلسفة اللاهوت المصري وكيفية نشوء العالم ، ويقدم الباحث والعالم الكبير سليم حسن بعد ذلك ترجمة لتمثيلية ( انتصار حور على أعدائه ) من خلال توزيع الأدوار داخل المتن والصور الايضاحية وترتيب المناظر .
الأغاني والأناشيد : تميزت الحياة في مصر القديمة بأن لها أغاني تصاحب الفلاح والصانع والصياد وعمال المباني وحتى ليالي السمر ومجالس المترفين ، لكن الأغاني اتجهت اتجاهين ، اتجاه ديني ومنها الشعر الديني بمتون الأهرام التي تتجنب ذكر الموت ونسوق منها فصل ٢٦٧ سطر ٣٦٤ : إن قلبك معك يا ـ أوزير ـ ، وقدماك معك يا ـ أوزير ـ ، وذراعاك معك يا ـ أوزير ـ ، وكهذا فإن قلب الملك معه ، وقدماه معه ، وذراعاه معه ، وقد ضرب له سلم ( على الأرض ) فهو يرقى فيه إلى السماء ، وإنه يصعد ( إلى السماء ) على دخان  المبخرة العظيمة ، وهذا الملك يطير كطائر ثم يرفرف منخفضا كجمل ………. .
وانشودة الليل والحيوان : « وكل أسد يخرج من عرينه ( ليفترس ) وكل الثعابين تنساب لتلدغ ، والظلام يخيم ، والعالم يكون في صمت ، في حين أن الذي خلقهم باق في أفقه » . وفي المزامير : الأشبال تزمجر لتخطف ولتلتمس من الله طعامها . [ المزمور ١٠٤ ـ ٢١ ] ، وقد نظمها بعض المسيحيين فقال : تزمجر الأشبال كي تخطف ما تراه / كذلك تلتمس الطعام من الله .
واخذت تلك الأناشيد تمجد رع وآمون والآلهة حتى جاء عهد اخناتون الذي أحدث ثورة أوقفت مجرى سير حياة الشعب المصري حيث واجه بتزمر الشعب وكذلك رجال الدين ، ومن سوء حظه أنه حاول أن يفرض عقيدة التوحيد في بلد لم يكن فيه رجل يستطيع نسيان الماضي غير اخناتون نفسه ، ولم يتبصر الناس ، ولقد سقط ذلك الثوري العظيم في ظروف غامضة مبهمة وكانت نتيجة سقوطه إعادة عبادة ( آمون ) ، والآلهة القدامى التي فرضها كهنة ( آمون ) على ـ توت عنخ آمون ـ ذلك الشاب الضعيف زوج ابنة اخناتون فرجع النظام القديم إلى ما كان عليه .
الشعر الغزلي : دلت البحوث في الأدب العالمي قديمه وحديثه على أن أغاني الحب لم تحتل مكانها في الأدب الراقي إلا بعد فترة طويلة من الزمن في حياة الأمم ، أما في مصر فقد كان الشعر الغزلي معروفا منذ عهد الدولة الحديثة على الأقل ، ولا نزاع في أنه كان موجوداً قبل هذا العصر بزمن بعيد ، وكان على علماء اللغة واجب البحث في هذا الجانب حتى لا تقف اهمية الحضارة الفرعونية عند التحنيط .
لنقرأ تلك الأبيات الغزلية من المجموعة الثالثة التي وثقها الكاتب بعنوان العذراء في الريف : ( يا أجمل الناس إن أمنيتي هي أن أحبك كقعيدة بيتك ، وأن تطوي ذراعي على ذراعك .. وإذا لم يكن أخي ـ الحبيب ـ الأكبر معي الليلة فإن مثلي سيكون كمثل من طواه القبر . ألست أنت العافية والحياة ؟ ) .
لم يتوقف البحث في تلك الموسوعة الشاملة عند هذا الحد من جماليات الشعر الغزلي بل راح يسطر الصفحات الأخيرة بنماذج من المديح الذي كان يصاحب نشاط الملوك وحركتهم وحروبهم وانتصاراتهم وملاحمهم ( ملحمة قادش ) وكثير من الأناشيد وصولا للشعر الدنيوي وأغاني العمال ، والرعاة والسماكين ، وأغاني الولائم .
وفي النهاية لا يملك الإنسان سوى الدهشة والاعجاب بهذا الجهد الإنساني الفريد من نوعه ، والذي جعل عالم من علماء مصر يأخذ على عاتقه هذا العمل المؤسساتي الكبير والذي يتطلب مضاعفة الجهد في البحث والترجمة والمقارنة بين المتون والوثائق للخروج لحقائق دامغة تتيح للأجيال المتعاقبة فرصة الإستدلال والمتابعة لمثل تلك العلامات التي ميزت الحضارة المصرية القديمة بكل مشتملات الحياة من عبادة وسكن وزواج وثقافة وتعليم وطب إلى مفارقة الحياة وانتظار البعث من جديد .





* «سليم حسن» أحد أعلام المصريين في علم الآثار، قدَّم العديد من الدراسات الرائدة في هذا المجال، كان منها عمله الأبرز «موسوعة مصر القديمة»، ذلك العمل الذي يتكوَّن من ثمانية عشر جزءًا، كما كان له العديد من الاكتشافات الأثرية في المنطقة المحيطة بأهرامات الجيزة، ويُلَقَّبُ بعميد الأثريين المصريين.
وُلِدَ سليم حسن عام ١٨٩٣م بقرية ميت ناجي التابعة لمركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية بمصر، وقد تُوُفِّيَ والده وهو صغير فقامت أمه برعايته وأصرت على أن يُكمِل تعليمه. وبعد أن أنهى سليم حسن مرحلة التعليم الابتدائية والثانوية وحصل على شهادة البكالوريا عام ١٩٠٩م التحق بمدرسة المعلمين العليا، ثم اختير لإكمال دراسته بقسم الآثار الملحق بهذه المدرسة لتفوُّقه في علم التاريخ، وتخرَّج منها عام ١٩١٣م. وقد عمِل سليم حسن مدرسًا للتاريخ بالمدارس الأميرية، ثم عُيِّنَ بعدها في المتحف المصري بعد ضغط من الحكومة المصرية، حيث كانت الوظائف فيه حكرًا على الأجانب، وهناك تتلمذ على يد العالم الروسي «جولنسيف».
سافر سليم حسن في بعثة إلى فرنسا عام ١٩٢٥م، والتحق بجامعة السوربون التي حصل منها على دبلومتين في اللغة والديانة المصرية القديمة، وحصَل على دبلوم اللغات الشرقية واللغة المصرية القديمة من الكلية الكاثوليكية، ودبلوم الآثار من كلية اللوفر. كما حصل فيما بعدُ على درجة الدكتوراه في علم الآثار من جامعة فيينا.
بدأ سليم حسن عام ١٩٢٩م أعمال التنقيب الأثرية في منطقة الهرم لحساب جامعة القاهرة، وكان من أهم الاكتشافات التي نتجت عن هذه الأعمال مقبرة «رع ور» وهي مقبرة كبيرة وضخمة وُجِدَ بها العديد من الآثار. واستمر حسن في أعمال التنقيب حتى عام ١٩٣٩م، ليكتشف خلال تلك الفترة حوالَيْ مائتي مقبرة بالإضافة إلى مئات القطع الأثرية والتماثيل ومراكب الشمس الحجرية للملكين خوفو وخفرع.
عُيِّنَ سليم حسن وكيلًا عامًّا لمصلحة الآثار المصرية، ليكون أول مصري يتولى هذا المنصب، ويكون المسئول الأول عن كل آثار البلاد، وقد أعاد إلى المتحف المصري مجموعة من القطع الأثرية كان يمتلكها الملك فؤاد، وقد حاول الملك فاروق استعادة تلك القطع، ولكن سليم حسن رفض ذلك ممَّا عرضه لمضايقات شديدة أدَّت إلى تركه منصبه عام ١٩٤٠م. وقد استعانت الحكومة المصرية في عام ١٩٥٤م بخبرة سليم حسن الكبيرة فعيَّنته رئيسًا للبعثة التي ستحدد مدى تأثير بناء السد العالي على آثار النوبة. انتُخِب سليم حسن في عام ١٩٦٠م عضوًا بالإجماع في أكاديمية نيويورك التي تضم أكثر من ١٥٠٠ عالم من ٧٥ دولة، وانتقل سليم حسن إلى الرفيق الأعلى في الخامسة والسبعين من عمره عام ١٩٦١م.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لوحة ايزيس واوزوريس

فول وسمك مقلي!!!