مساكن الحمزة






مساكن الحمزة
في الأيام الأولى من وجودي في الرياض لم تتبين لي ملامح المدينة إلا من خلال المطار الذي استقبل اول موضع قدم لي بأرض المملكة ، ثم الهواء اللافح ومنه إلى التاكسي الأصفر الذي امتص كل ما احمل من نقود لم أقدر ولا اعرف  قيمتها حتى انتهيت للمبنى الضخم للرئاسة التي عملت تحت مظلتها طول تلك السنوات الماضية ، وكان يشغلني التفكير في النوم والراحة التي لم اعرفهما لمدة اسبوعين متتاليين وإليكم السبب في ذلك .
اعترف انا أبو أحمد راضي المصرودي أن الليلة الأولى التي امضيتها بالرياض كانت من قاسية واختبار للصبر صعب التجاوز لولا عناية الله تبارك وتعالى .
فقد دخل الليل سريعا بعد صلاة العشاء التي أديتها بمسجد الرعاية الإجتماعية بالربوة ، والقائم أمام مقهى شعبي ذو كراسي مرتفعة تشبه الأسرة (السراير) ومجدولة بحبال من البلاستيك المتين تجعل الجلوس عليها اكثر صعوبة وعدم راحة إلا بافتراش جزء من ملابسك إذا كنت تحمل جاكيت أو بالطو ، بقيت بالمسجد بعد خروج المصلين ابكي وحيدا واتضرع إلى الله الكريم أن يأخذ بيدي ويمنحني القوة للبقاء ويدفع عني الشر ، وعند عودتي للمقهى الذي تركت به اغراضي وجدت ابريق الشاي وكوبين صغار ثم ظهر مذيع بالتلفزيون افريقي الملامح لونه حاد السواد ذو صوت شجي ولغة عربية غاية بالجمال عرفت فيما بعد ان اسمه حسين نجار وهو فيما يبدوا كان يذيع الأخبار ، ولكن ماهي إلا لحظات غبت فيها عن الدنيا وعن الحياة وعندما افقت وجدت الصباح قد اشرق بشمس ساطعة وصفاء ذهن وبطانية قديمة مهلهلة كان هي غطائي الذي جاد على به القهوجي اليمني عيسى .
عيسى الذي عرفت اسمة من رواد المقهي الذين يرفعون اصواتهم باسمه بين حين وآخر ..  لم يغطيني فحسب بل لم يأخذ ثمن الشاي المسائي ولا شاي الصباح المخلوط بالحليب وساعدني في حمل حقيبتي والاتجاه لمبنى الرئاسة الذي ذكرت حيث عاملني بقسوة جندي الحراسة المكلف بالبوابة بابعاد الحقيبة عن المكان فوضعتها بين السيارات المتراصة بالمكان ولم اعبأ ان كنت اعود فأجدها بمكانها أو ان تختفي بما تحمل من كعك صنعته لي أمي وملابس رتبتها لي زوجتي العروس التي لم تكمل شهر العسل . 
وجهوني لشؤون الموظفين ومنها لمكتب المدير العام الذي أخذ أوراقي ومستنداتي وعقد العمل من مكتب التوظيف بالقاهرة ثم اعطوني خطاب لتوصيلة للإدارة التي كنت احد منسوبيها لفترة امتدت لثلاث عقود ويزيد .
لم اكن احمل معي أي نقود ولا اعرف لي وسيلة تنقلني لمقر العمل ، وجدت ضالتي اخيرا في عربة نصف نقل (ونيت) أخذني انا وحقيبتي لمبنى المطابع بالنسيم مقابل عشر ريالات اخذتها من أول عسكري رأيته بمكان عملي وكان شخص معتز بنفسه ومغرور هو الزميل يوسف ادريس . الذي كان لي معه حكايات كثيرة بعد ذلك .
وبعد السلام والترحيب كانت تشغلني مسأله النوم والحقيبة أكثر من الأكل والشرب ، وكنت طول تلك الفترة لم اتناول سوى الشاي الصباحي الذي جلبه لي عيسى اليمني .
كان هناك زملاء مصريين قد سبقوني بالحضور بالعمل رغم اني سبقتهم بالتعاقد ولكني تأخرت بالحضور بسبب زواجي ، المهم انهم رحبوا بي خاصة اكبرهم سنا ( محمد حسن ) وانتقلت معهم لمسكنهم بشكل مؤقت حتى أحصل على مرتب الإعاشة واقوم على ترتيب حياتي والتفرغ للعمل ، ومحمد حسن أيضا له حكايات معي كثيرة خاصة أنه كان مقيم بالمانيا مدة ستة عشر عاما .

كان مسكنهم أو  غرفتهم تقع في مبنى مساكن الحمزة بشارع احمد بن حنبل مبنى يشبه المساكن الشعبية في مصر ولكنه مكون من ثلاثة طوابق كلها غرف مستقل ، غرفة كبيرة متصل بها دورة مياة ومكان بسيط لعمل الشاي أو تسخين الطعام والغرفة يمكن ان تحمل اربعة اشخاص يفترشون الأرض ومروحة بالسقف لا تزيح الهواء الساخن ولكنها تصدر صوتا يجبرك على النوم بعد ان تعتاد عليه ، وعندما دخل الليل بعد تناول العشاء مع الزملاء وكل منهم راح يغط غطيطا عميقا كنت اسمع من الخارج بعض الأسصوات العالية الصراخ والذي تحول بعضها لصوت استغاثة ومع ذلك لم يتحرك احد الموجودين ولما شاهد تململي الاخ محمد حسن قال لي جملة لا انساها .. : اعتبر نفسك اطرش لم تسمع شيء ونام لدينا عمل في الصباح الباكر وتلك الاصوات اما معارك بين البعض أو صوت لاحد الاولاد المختطفين ، كانت جملة كفيلة بتحويل مكان السكن إلى سجن وتلك الغرفة لزنزانة .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لوحة ايزيس واوزوريس

أدب الفراعنة

فول وسمك مقلي!!!