أنا لست أنت .. ولم أكن يوماً أحد







يتذكر ابو احمد راضي المصرودي اللقاء الأول الذي جمعهما معا .
كانت تشارك بأحد المؤتمرات الطبية المنعقدة بفندق من الفنادق الكبرى ، وكانت في حاجة ماسة إلى رفقة وكان بيني وبينها خطوط مودة لم تستقر على علاقة محددة الملامح ولم تمتد أكثر من تحايا متبادلة .
اردت اصطحابها من منزلها للدخول بها إلى موقف البوابة الرسمية للفندق زيادة في الشعور بالثبات والأهمية دون ان تدخل هكذا راجلة كما كنا نخطط لذلك ، ولكنها قالت ان انتظاري لها عند الخروج من المؤتمر هو الأنسب وانها سوف تستعين بتاكسي (ليموزين) لتوصيلها إلى مكان انعقاد المؤتمر .
وكان لها ما ارادت ولم يستغرق المؤتمر وقتا طويلا وعند انتظاري لحظة خروجها وصعودها للسيارة لم تكن لديها رغبة في استعجال العودة للمنزل وبالتالي كانت الفكرة وليدة اللحظة ان نتجول بأحد الأسواق التي تكتظ بها الرياض وبالفعل قمنا بجولة امتدت لحدود الساعة بين واجهات المحلات ويتخللها حديث وفضفضة ما بين قصة زواجها وهي مازالت طالبة بكلية الطب وانه كان عند كلمته فجعلها تستكمل دراستها غير أنه رفض خروجها للعمل وبقيت في بيته زوجة وام لخمسة أولاد ويشعرها دائما بأن دراستها لاقيمة لها طالما يمتلك وظيفة مرموقة التي تدر عليه دخلا يحسده عليه البعض من أهله ، ومع بداية إنقراض الصحافة الورقية والهزات التي لحقت بالعاملين عليها خرجت للعمل في أحد المستشفيات كطبيبة أمراض نساء ، وهي الآن القائمة بأعباء الأسرة والزوج أصبحت وظيفته ـ محرم ـ لها ولم يكلف نفسه بعناء البحث عن مكان يقبله ككاتب ولا يحاول ان يعاونها في الوصول لمقر عملها على الأقل ، كانت هي في حاجة ماسة ان يستمع لها إنسان .. أي إنسان وصادف أن أكون أنا هذا الإنسان .
تشكو الوحدة والإهمال والعمل المرهق ومرضى يفتقدون الصبر والإنتظار ووووو وتكررت اللقاءات بمناسبات متعددة وتسربت حالة الإنسجام بيننا وتبادل الأحاديث والقراءات في شتى المجالات ، ولم ننجرف بشكل صبياني إلى علاقة سريعة خاطفة فاضحة ، وإنما علاقة يحكمها العقل والرفقة امتدت لأكثر من خمس سنوات ، كنت كمن يعيش داخل حلم ينسجم مع تفاصيله التي لا تخلو من احساس بالمتعة ولكن في أحد الأيام كادت أن تسبب لي مشكلة من خوفها ونحن نمر عند نقطة تفتيش تبحث في الإقامات والمرافقين ومر الأمر بسلام ، ولكن تنبهت لما نرتكب من مخالفة قد لا تحمد عقباها إذا تكرر الموقف ، ولم تعد تجمعنا إلا التجمعات العامة وسط الناس لكن انزوائنا معا في أحاديث جانبية وعدم مشاركة المجتمعين كان لافتا للنظر أيضا ، وكانت بداية الإنسحاب للخلف جاءت بعد دخلت سيارتي لورشة الصيانة واصطحبني أحد الأصدقاء بسيارته معلقا على حياتها ساردا بعض التفاصيل مما اعرف وسبق ان حدثتني عن ذلك وكأنها أمور خاصة لم يطلع عليها سواي .. وادخلني بحديثه إلا منطقة إدمان الشكوى واستعطاف الناس وبدأت رحلة الإنقطاع التدريجي خارج إيطار العلاقة التي تجمعني بها خاصة أن الوقت والعمل والسيارة لم يعطوني فرصة للفراغ ، ولا حتى الفراغ العاطفي الذي لا أعاني منه بالأساس فأنا في حالة حب متواصلة طالما أكتب وأرسم وأملك القدرة على التعبير .
حتى كان يوم فصل الختام وهي تلقي أحد قصائدها وكأنها تعنيني . فجادت قريحتي بتلك الكلمات :



وانتهت قصتنا السعيدة
وانت تلقين القصيدة
يا من تسافر بالخيال
وترسم الحب المحال
وترحل إلى فضاء
مسارات الغيوم
يحلو لك أن تدعي
أني أنثى صاغتها حكاية كل يوم
وصنعتها القصيدة
من أرق الهموم
أنا يا صديقي لست أنت
ولم أكن يوماً أحد
بيننا بعض التشابه
ضمن نظم الشاعرة
قدر ابتسامة مسافرة
قدر الفزع في عيون مهاجرة
لكنني بالعموم
لست غنوتك الأثيرة
ولم أكن يوماً أميرة
ولن أكن سوى فكرة اللوحة الأخيرة
أو طيف مر بخاطرك
قف مكانك .. لا تحاول وأبتعد
أنا يا صديقي أحذرك
بل أمنعك

أنا لست أنت
ولم أكن يوماً أحد
اذهب
كما ذهبت سنين أيامي
من سنين
لن يعاودني الحنين
ولن تندم عليك أشواقي
لم أعد وردة
لم يبق من سمت الورود
غير أشواكي
تدمي من يحاول
أن يلامس خدها
أو من يداعب عطرها
أنا يا صديقي
لست أنثاك التي تدعي
ما أرقني ظهورك أو غيابك
وما أجريت مدامعي
أنا لست أنت
ولم أكن يوما أحد
هل تعي ؟
فأبعد يداك
لست أنثاك
لست أنثاك

وليس لي ألم سواك

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لوحة ايزيس واوزوريس

أدب الفراعنة

فول وسمك مقلي!!!